الأمة بحاجة إلى الخطاب الوسطي المعتدل

الخميس: 19 ربيع أول 1439 - 7 ديسمبر 2017 - 08:26 مساءاً عـربي و عـالمي
الأمة بحاجة إلى الخطاب الوسطي المعتدل

صورة أرشيفية

الامة اليوم بحاجة الى الخطاب الوسطي المعتدل، فالناس يكرهون الخطاب المتطرف والمتشدد، الذي يخالف روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الغلو والتَّطرف من علامات هلاك الأمم الماضية، فقال: «وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ. وقال صلى الله عليه وسلم: إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ. فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ». وقد ضبطت: أهلكُهم، بضم الكاف، أي أشد هلكاً، وبفتح الكاف: أي جعلهم هالكين، لا أنهم هلكوا على الحقيقة، لكن طريقته تؤدي إلى الهلاك. ووصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بقوله: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ». ووصفهم بأنهم: «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ». أي أنَّهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم، وانما يقف عند محل الأصوات والحروف فقط، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم، وقد ورد قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». يقول ابن مسعود رضى الله عنه: «لا يزال النَّاس بخيرٍ ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا. وورد أن عمر رضي الله عنه خلا ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة، وكتابها واحد؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كذلك اختلفوا.

التضييق على الناس
والميل دائمًا إلى التضييق والتَّشديد والإسراف في القول بالتَّحريم، وتوسيع دائرة المحرمات، مع تحذير القرآن والسنة والأئمة الفقهاء من ذلك، دليل على الجهل بمقاصد الشريعة. يقول تعالى: «وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ» (النحل:116). وكان السَّلف لا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزمًا، فإذا لم يجزم بتحريمه قالوا: نكره كذا، أو لا نراه، أو نحو ذلك من العبارات، ولا يصرحون بالتحريم، أمَّا الميالون إلى الغلو، فهم يسارعون إلى التحريم دون تحفظ! جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن دم البعوض فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: ها! انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم! يعني الحسين رضي الله عنه، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا. ومن دلائل عدم الرُّسوخ في العلم، وضعف البصيرة بالدِّين: اشتغال الغلاة بكثير من المسائل الجزئيَّة والأمور الفرعيَّة، عن القضايا الكبرى التي تتعلق بكينونة الأمَّة وهويتها ومصيرها. فإذا كان في الفقه رأيان: أحدهما يقول بالإباحة والآخر بالكراهة، أخذوا بالكراهة، وإن كان أحدهما بالكراهة، والآخر بالتحريم، جنحوا إلى التحريم. وإذا كان هناك رأيان: «أحدهما ميسر، والآخر مشدد، فهم دائما مع التَّشديد والتضييق» والدِّين براءٌ من كل هذا الغلو والتَّطرف. قال تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا» وقال سبحانه: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» وقال «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، وقال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ. وقال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ.

فتاوى الشباب

قال ابن قتيبة: لا يزال النَّاس بخيرٍ ما كان علماؤهم المشايخ ولم يكن علماؤهم الأحداث، لأنَّ الشيخ قد زالت عنه حدَّة الشَّباب ومتعته وعجلته واستصحب التَّجربة في أموره فلا تدخل عليه في علمه الشبه ولا يستميله الهوى ولا يستزله الشيطان، والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ. وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ثَلَاثَةً: إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَلْتَمِسَ الْعِلْمَ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ. قال الحجاج بن أرطأة: كانوا يكرهون أن يحدث الرجل حتى يرى الشيب في لحيته. ويدخل في هذا القيام الاعتماد على الكتب دون القراءة على العلماء. قال الشافعي: من تفقه في بطون الكتب ضيَّع الأحكام. وقد اشتهرت الحكمة القائلة ان: من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه! وهذا ما جعل علماء السَّلف يحذرون من تلقِّي العلم عن هذا النوع من المتعلمين، ويقولون: لا تأخذ القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي. يعنون بالمصحفي: الذي حفظ القرآن من المصحف فحسب، دون أن يتلقاه بالرواية والمشافهة من شيوخه وقرائه المتقنين.

إقراء المزيد